تفويضٌ يترك أثراً
المهمة الشفهية ليست مهمة
لنتصوّر صباح يوم ثلاثاء. يلتفت شريكٌ إلى محامٍ مساعدٍ في الممرّ فيقول له إنّ مذكّرة الردّ يلزم إيداعها هذا الأسبوع. يمضي كلٌّ منهما وهو على يقين. يظنّ الشريك أنّ العمل قد أُسنِد. ويظنّ المساعد أنّها كانت ملاحظةً عابرة. وحين يحلّ يوم الجمعة تكون المذكّرة غير موجودة، ويكون كلٌّ منهما مقتنعاً في صمتٍ بأنّ الآخر هو الذي قصّر.
لم يُدوَّن هنا شيء، ومن ثمّ لا يمكن التحقّق من شيء. فالتعليمات الشفهية لا تحمل مكلَّفاً يستطيع السجلّ تسميته، ولا موعداً يستطيع السجلّ إنفاذه. إنّها أملٌ في ثوب التزام. والممرّ مكانٌ رديءٌ لحفظ الالتزام، لأنّ الممرّ لا يمسك محضراً.
لا تغدو المهمة حقيقيةً إلا حين تثبت ثلاث حقائق في مكانٍ واحد: ما الذي يجب إنجازه، ومن الذي يجب أن ينجزه، وبأيّ موعد. وبغياب أيٍّ من هذه الثلاث، يغدو العمل رهيناً بالذاكرة. والذاكرة أضعف ضابطٍ يملكه المكتب.
الخط الزمني هو الجواب عن السؤال
تدور معظم المكاتب على استجوابٍ متكرّر. يسأل الشريك أين وصلت الأمور. فيعيد محامٍ مبتدئٌ بناء الأسبوع من ذاكرته. ويستنزف هذا التبادل انتباهاً كانت القضية نفسها أحقّ به، ويُنتج جواباً لا يستطيع أحدٌ التحقّق منه لاحقاً.
والعلاج هو نقل الجواب من الذاكرة إلى السجلّ. فحين تحمل كلّ مهمةٍ مكلَّفاً مسمّى وموعداً نهائياً، يجيب السؤال عن نفسه. ويكفّ التقدّم والإنجاز عن كونهما ادّعاءين يُطلقان عند عتبة باب، ويصيران قيوداً يستطيع كلّ من له حقٌّ في القضية أن يقرأها. في مرسال، تعيش المهامّ ذات المكلَّف والموعد النهائي على الخط الزمني للقضية، إلى جانب الأطراف والمستندات والجلسات التي تخدمها، بحيث يستقرّ الإسناد والإنجاز داخل السجلّ نفسه الذي يضمّ العمل.
ليس هذا رقابةً تجسّسية. بل هو الكياسة المألوفة لمكتبٍ يقدر أن يخبر موكّله، وأن يخبر نفسه، بالضبط ما الذي أُنجِز وما الذي بقي.
التفويض بلا تخلٍّ عن المسؤولية
يفوّض الشركاء لأنّ ذلك واجبٌ عليهم. والخطر في التفويض ليس أنّ المبتدئين مهملون، بل أنّ الشريك يفقد رؤية العمل من غير قصد. والمكلَّف والموعد يعيدان إليه تلك الرؤية من غير تربّصٍ. فيرى الشريك أنّ المهمة قائمة، ويرى من يمسك بها، ويرى متى يحلّ موعدها، ولا يتدخّل إلا حين يُظهر السجلّ انحرافاً.
وتفويضٌ من هذا الطراز يصمد أمام الغياب، وأمام التدقيق، وأمام النزاع، لأنّه خلّف وراءه أثراً. والإسناد المكتوب هو ما يفصل بين مكتبٍ يُشرِف ومكتبٍ لا يفعل سوى أن يأمل.
غريزة الإدارة بالمحادثة غريزةٌ لا بأس بها، لكن فيها عيباً قاتلاً: المحادثات تتبخّر. والذي يبقى، حين يعترض موكّلٌ على الفاتورة أو يعترض زميلٌ على الجهد المبذول، هو السجلّ أو غيابه. أثبِتوا المكلَّف والموعد على القضية، فيفقد الاستجواب اليومي غايته، لأنّ القضية تحمل الجواب سلفاً. والإسناد الذي لا تستطيع الإشارة إليه هو إسنادٌ لا تستطيع الدفاع عنه.
القضايا وفحص التعارض والفوترة الضريبية والإيصالات المختومة والروزنامة، في نظام واحد قابل للدفاع عنه.